أبي حيان التوحيدي

59

المقابسات

ونشر فضائلهم في أخلاقهم ، وعلمهم ، ومصنفاتهم ، ورسائلهم ، مدى الدنيا إلى أن يأذن اللّه بزوالها ، لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم هذا الشيخ الذي أنشانا له هذه الرسالة « 1 » وبسببه جشّمنا هذه الكلفة ، أعنى أبا عثمان عمرو بن بحر ، والثاني أبو حنيفة الدّينورى ، فإنه من نوادر الرجال ، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب ، له في كل فن ساق وقدم ، ورواء وحكم ، وهذا كلامه في الأنواء يدل على حظ وافر من علم النجوم وأسرار الفلك . فاما كتابه في النبات فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدوي ، وعلى طباع أفصح عربى . ولقد قيل لي ان له في القرآن كتابا يبلغ ثلاثة عشر مجلدا ما رأيته ، وانه ما سبق إلى ذلك النمط . هذا مع ورعه وزهده وجلالة قدره . وقد وقف الموفق « 2 » عليه وسأله وتحفى به . والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي فإنه لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأول ، ولا يظن أنه يوجد له نظير في مستأنف الدهر . ومن تصفح كلامه في كتابه اقسام العلوم ، وفي كتابه أخلاق الأمم ، وفي كتابه نظم القرآن وفي كتابه اختيار السيرة ، وفي رسائله إلى اخوانه وجوابه عما يسأل عنه ويبده به ، علم أنه بحر البحور ، وأنه عالم العلماء ، وما رؤى في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه ، وأن القول فيه لكثير . ولو تناصرت الينا أخبارهما لكنا نحب أن نفرد لكل واحد منهما تقريظا مقصورا عليه ، وكتابا منسوبا اليه ، كما فعلت بابى عثمان

--> ( 1 ) هي رسالة أبى حيان في « تقريظ الجاحظ » ( 2 ) الموفق : هو أبو أحمد طلحة بن المتوكل على اللّه الخليفة العباسي ببغداد . وكان هو صاحب التصرف والسلطان المطلق في عهد أخيه الخليفة المعتمد على اللّه ، ولم يكن لأخيه في جانبه أمر ولا نهى . وقد كان على جانب عظيم من بعد الهمة وكبير الشوكة وثبات العزيمة ، ولولا مواقفه المشهودة ووقائعه الحربية مع خصوم الدولة والخارجين عليها ، ولا سيما بلاؤه العظيم مع صاحب الزنج الخارجي لأوشك أن يقضى على دولة بنى العباس في ذلك الحين . توفى سنة 278 ه .